الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

161

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وذكر ما يقال للغاوين للإنحاء عليهم وإظهار حقارة أصنامهم ، فقيل لهم أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ وفي الاقتصار على ذكر هذا دون غيره مما يخاطبون به يومئذ مناسبة لمقام طلب الإقلاع عن عبادة تلك الأصنام . وأسند فعل القول إلى غير معلوم لأن الغرض تعلق بمعرفة القول لا بمعرفة القائل ، فالقائل الملائكة بإذن من اللّه تعالى لأن المشركين أحقر من أن يوجه اللّه إليهم خطابه مباشرة . والاستفهام في قوله : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ استفهام عن تعيين مكان الأصنام إن لم تكن حاضرة ، أو عن عملها إن كانت حاضرة في ذلك الموقف ، تنزيلا لعدم جدواها فيما كانوا يأملونه منها منزلة العدم تهكّما وتوبيخا وتوقيفا على الخطأ . والاستفهام في هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ كذلك مع الإنكار أن تكون الأصنام نصراء . والانتصار طلب النصير . وكتب أَيْنَ ما في المصاحف موصولة نون ( أين ) بميم ( ما ) والمتعارف في الرسم القياسي أن مثله يكتب مفصولا لأن ( ما ) هنا اسم موصول وليست المزيدة بعد ( أين ) التي تصير ( أين ) بزيادتها اسم شرط لعموم الأمكنة ، ورسم المصحف سنة متبعة . و أَوْ للتخيير في التوبيخ والتخطئة ، أي هل أخطأتم في رجاء نصرها إياكم ، أو في الأقل هل تستطيع نصر أنفسها وذلك حين يلقى بالأصنام في النار بمرأى من عبدتها ولذلك قال : فَكُبْكِبُوا فِيها ، أي كبكبت الأصنام في جهنم . ومعنى فَكُبْكِبُوا كبّوا فيها كبا بعد كبّ فإنّ كبكبوا مضاعف كبّوا بالتكرير وتكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل : كفكف الدمع ، ونظيره في الأسماء : جيش لملم ، أي كثير ، مبالغة في اللّم ، وذلك لأن له فعلا مرادفا له مشتملا على حروفه ولا تضعيف فيه فكان التضعيف في مرادفه لأجل الدلالة على الزيادة في معنى الفعل . وضمائر يَنْصُرُونَكُمْ - و - يَنْتَصِرُونَ - و - فَكُبْكِبُوا عائدة إلى ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ بتنزيلها منزلة العقلاء . وجنود إبليس : هم أولياؤه وأصناف أهل الضلالات التي هي من وسوسة إبليس . وتقدم الكلام على إبليس في سورة البقرة . [ 96 - 102 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 96 إلى 102 ] قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 )